
رئيس المنظمة العربية للوساطة و حل النزاعات الحياة في حراك مستمر ، وتجديد دائم لذاتها ، والأفكار والأهداف والرؤى متغيرة ومتطورة ومتجددة على الدوام تبعا لما تطرحه الحياة من مستجدات ، وما تقتضي من حلول ومعالجات موائمة لها ، وما يطرح من حلول اليوم لمشكلة ما قد تغدو غداً قاصرة في التعامل معها للتعقيدات المصاحبة لها . لذا تستوجب الضرورة ان يلاحق الفكر إفرازات الحياة والتعامل معها .
كون الأفكار مرنة لها قدرة مواجهة معطيات الحياة والإجابة عن تساؤلاتها . والتغيير على الدوام ضرورة تمليها مصلحة المجتمع للانعتاق من جمود الحاضر وأطره. . وان عدم مسايرة اشتراطات الحاضر وطروحاته والتعامل معها كما ينبغي تصاب الحياة بالتصلب والتكلس وتنعكس سلبا" على قدرة المجتمع على تسريع حركته للحاق بعجلات التقدم المنطلقة الى الامام لذا ترى الأحزاب والحركات السياسية تراجع خططها وبرامجها وتحدثها بما يتوافق وما تطرحه الحياة من مشكلات ومعضلات اذا ما ضاقت أطرها عن استيعاب ومعالجة الأمور الفكرية والاقتصادية والاجتماعية المطروحة. . وكلما كانت قيادة الحزب أعمق ثقافة ودراية لمهام حزبها وقدرة على استيعاب وتحليل الواقع أمكنها التعاطي مع القضايا المطروحة وتحديد وتيرة وسرعة الاستجابة لما تقتضيه حالة الإصلاح .
وان نجاح الحزب في تحقيق برامجه وأهدافه هو في قدرته على فهم المرحلة وطرح ما يستلزم من أفكار وبرامج. والكثير من الحركات والأحزاب السياسية هي وليدة حاجات سياسية او اجتماعية ، تطرح افكارها ورؤاها بما يتوافق والحلول المطلوبة لهذه الحاجات وتجدد هذه الافكار والرؤى حين تعجز عن التعامل مع ما تطرحه مسيرة العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي ونحوها، حيث لا يمكن لاي فكرمهما كان متقدما استشراف المستقبل تماما" واستيعاب كل ما يستجد على الحياة ويطرح حلول متكاملة لها ، اذ لا بد من تطور ونمو الأفكار على وفق الحاجات الآنية. والأحزاب والقوى السياسية لا ينتهي دورها بانتهاء المشكلات او القضايا التي أوجبت ظهورها ، لانه قطعا سوف تظهر قضايا جديدة تصاحب الحياة ، ما يتعين المراجعة الفكرية والتنظيمية وطرح كل جديد ومتطور لهما قدرة التعامل معها لاستحالة ان تتجمد الحياة وتأخذ منحى ثابتا للتأثيرات الداخلية وحتى الخارجية لان كل مجتمع يؤثر ويتأثر بما يحيط به اقليميا" وما يجري في العالم ، لهذا يتعين ان يكون لها الاستعداد الدائم لملاحقة ما يطرحه الواقع وضرورات توفير الحلول لها ما يدعو قادة الأحزاب الى تعبئة وتوعية واستنهاض طاقات أعضائها وجماهيرها خلف التغيير والتجديد والتحديث ولا يمكن للأفكار ان تطرق وعي أعضاء الحزب والمواطنين عموما واحتوائها ما لم تكن هناك آليات قادرة على تجسيد الأفكار ونقلها الى أعضاء الحزب وجماهيره ، ما يقتضي تدعيم ثقافة التغيير والعصرنة وزيادة أعداد مريدهما.
ومن هذا المنطلق عملت الحركة الاشتراكية العربية على الأخذ بالعمل التجددي لأفكارها وبرامجها وطروحاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، بعد ان استشعرت بانسداد دائرة العمل السياسي و الاقتصادي اللذان تأخذ بهما وعجزهما على التعاطي بما تطرحه الظروف الجديدة في الواقع العراقي ومن يتابع مسيرة نشاطها يلحظ مقدار التغيرات الجوهرية التي حدثت خلال مسيرتها على وفق احتياجات المرحلة وبما يحول ودون الانغلاق على أفكار وطروحات تجاوزها الزمن وغدت عاجزة عن الإجابة على تساؤلات الحياة والتعامل معها . وهذه من سمات الأحزاب السياسية الحية للتواصل والتفاعل مع كل ما يخدم الحياة وينميها ويجدد دماءها كي لا يصاب المجتمع بالجمود والتصلب ومنعه من الانفتاح على تجارب العالم الناجعة.
وحين اعتمدت الحركة الاشتراكية العربية الاشتراكية الديمقراطية كخيار فكري اقتصادي لم يكن وليد الصدفة، بل فرضته الظروف المستجدة والنجاحات التي حققتها الدول التي أخذت بها كطريقة للوصول الى الرفاه والرخاء الاقتصادي وتحقيق العدالة والمساواة لمواطنيها والاستجابة لمطاليبهم في حياة حرة كريمة دون عوز او حاجة لما توفره من ضمانات اجتماعية واقتصادية وصحية وتعليمية ونحوها. والاشتراكية الديمقراطية تؤمن بالتغيير الجذري للواقع والاقتراب من امال المجتمع وتطلعاته بتوفير المنطلقات الفكرية والسياسية لمواجهة معوقات وصوله الى بناء حاضر مرفه ومستقبل مزدهر واستيعاب حاجاته وخصوصياته وصياغة برامجها وسياساتها على وفق ذلك مستهدفة إقامة مجتمع أساسه العدالة الاجتماعية تسوده الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان ويمتلك فكر الاشتراكية الديمقراطية، الذي يمكنه ان يستجيب للحاجات الأساسية للإنسان ويقدم الإجابات المقنعة لما يواجهه المجتمع من اشكالات ويقدم الحلول الواقعية ملغيا بذلك أي اختلافات او تعارضات بين حاجات المجتمع على وفق مبادئ الاشتراكية الديمقراطية وطموحاته في التطور والتقدم والتغيير كونها ذات فكر منفتح ومتجدد يغتني بتجارب الشعوب حاضرا" ويغنيها بما لا ينقطع عن جذور تراثه لما يمثله من عمق وأصالة وتؤمن بدور الدولة الأساسي بتقديم الخدمات للسكان على وفق احتياجاتهم وتوفير الرعاية الاجتماعية وتقديم العلاجات الناجعة لمشكلات المجتمع المستجدة والعاجلة والتدخل في النشاط الاقتصادي من خلال التخطيط والإشراف وجاءت أزمة النظام الرأسمالي مؤخرا" وطبيعة معالجتها بالمنظور الاشتراكي لتأكد أهمية تدخل الدولة في النشاطات الاقتصادية بما يحفظ التوازن الاقتصادي للبلاد، لكنها في ذات الوقت لا تقدم على تأميم وسائل الإنتاج بل تعمل على تطوير وتشجيع نشاط القطاع الخاص بما يمكنه من النهوض بدوره المتميز في الاقتصاد الوطني .
وعلى وفق رؤى ومنطلقات الفكر الاشتراكي الديمقراطي فأن العدالة الاجتماعية تحتل ركنا" أساسيا في الاهداف المتوخاة تحقيقها والتي تعني عمليا الوصول الى أقصى ما يمكن من المساواة الاقتصادية والتي تجد ترجمتها في حق العمل وحق الملكية ، وتكافؤ الفرص في التحصيل العلمي والمهني والثقافي ، وحق الضمان الاقتصادي والرعاية الاجتماعية في حالتي المرض او التعرض لحادث وعند الشيخوخة والعجز عن العمل ، والمساواة الاقتصادية تهدف الحصول على عائد وحصة من الناتج الاجتماعي بما يتناسب ومقدار المساهمة والجهد المبذول في الإنتاج.
ومن المتعذر الوصول الى العدالة الاجتماعية في الفكر الاشتراكي الديمقراطي دون ربطها بمبدأ الحرية الذي يضمن مصلحة الفرد دون الاضرار بمصالح المجموع ، ومن أولوياتها إقرار حق الفرد في حرية العقيدة والفكر والانتماء والإسهام بكافة الفعاليات السياسية والاجتماعية والمشاركة في صنع القرارات السياسية والاقتصادية ومراقبة تنفيذها من خلال ممثليه في المؤسسات التشريعية والتنفيذية الذين دفعهم لتمثيله بانتخابات حرة وديمقراطية نزيهة وبذلك يكون المجتمع هو المسؤول المباشر عن القوانين والتشريعات التي تنظم حياته وتحقق الامن السياسي والاجتماعي والاقتصادي ' ولا طريق للوصول الى رئاسة الحكومة الا و على وفق ارادة المجتمع الا بالانتخابات الحرة والمباشرة والنزيهة ونيل رضا وقبول غالبية السكان ، ما يمنح ابناء الشعب حق المراقبة والمساءلة لها وإزاحة الحكومة اذا خرجت عما تعهدت بتنفيذه عند انتخابها بسحب الثقة منها ما يمنح الشعب سلطة مراقبة تنفيذ القوانين والحفاظ عليها من الانتهاك وضمان حقوق الإنسان واحترامها وسيادة روح العدل والمساواة بين المواطنين بصرف النظر عن دياناتهم وقومياتهم ومذاهبهم وأرائهم السياسية واحترام الحرية الدينية ما يجعل الديمقراطية قيمة عليا واجبة والاحترام. .
وتحترم الاشتراكية الديمقراطية المبادرة الفردية والتطور السلمي التدريجي المستوفي لشروط النجاح والتطور وترفض سياسة العنف للوصول الى الأهداف والمبادئ المؤمنة بها لان هذا يدفع المجتمع الى الاحتراب والاقتتال والعنف المضاد ما يولد نظام قمعي تصادر به الحريات والديمقراطية ، وتؤمن باعتماد أسلوب الكفاح الأنجع بما يقرره الزمان والمكان لبلوغ الاهداف المتوخاة ، حيث ان النظم الديمقراطية توفر العديد من الوسائل والطرق للنضال ضد السلطة ومواجهتها وانتزاع الحقوق كأساليب النضالات البرلمانية والإضرابات والتظاهرات والاعتصامات والتي جميعها تدخل في اطر النضالات السلمية مستلهمة تراث الشعب الثقافي والحضاري والسياسي وما راكمته السنون مع الافادة من منجزات الأحزاب الاشتراكية في الدول الأخرى وخبرات الشعوب وتجاربها. . والنقطة الهامة التي لا بد من المرور عليها هي إيمان الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية بتآخي الشعوب وتعاونها المشترك في تبادل الخبرات والمنافع للوصول الى الرخاء والرفاهية و توطيد أسس السلام العالمي واحترام حق الشعوب في تقرير المصير وإقرار خياراتها الوطنية وإقامة علاقات اقتصادية متوازنة وعادلة بين الشعوب بما يحقق المنافع للجميع وتحكمها قوانين دولية مقرورة من قبلهم.
حسان القطاونة
الكاتب: حسان القطاونة
أرشـيف الـكاتـب
المشاهدات: [1246] , 01/09/2012 19:09:33